الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخولدخول  القرآن الكريم فلاشالقرآن الكريم فلاش  حالة الطقسحالة الطقس  

شاطر | 
 

 تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (1)   الإثنين 12 مارس - 11:16



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (1)













لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم
الحلقة الأولى: مقدمات
-أ-
الحمد لله الذي أَلْهَمَ الطير عذْبَ الألحان، تسبيحاً بحمده في جو السماء وعلى الأفنان، والصلاة والسلام على من تسابق في مدحه صَفْوَةُ أهلِ البيان، وتفانى في حبه بفضل الله ومَنِّه خِيرَةُ بني الإنسان، وأضاء نوره الهادي ظلمات القلوب والأكوان، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار على مدى الدهور والأزمان.
أما بعد..
فما كان في نيتي أن أُعِدَّ ما يقرأ القارئ من هذه السلسلة؛ ما كان الأمر من أمنياتي ولا خطر يوما ببالي، لولا عزيمةٌ مباركة عَزَمَتْ عَلَيَّ ويدٌ حانية حَفَزَتْنِي وكلمة مبشرة أشارت إلي بتلحين قصيدة البردة للإمام البوصيري بأسلوب جديد وتلاحين جديدة، فكانت هذه السلسلة ثمرة من ثمراتها ولله الحمد وله المنة.
ووفَّق المولى تعالى إلى إخراج الألبوم الأول من البردة من أصل ثلاثة، متضمنا الفصول الأربعة الأُوَلَ من القصيدة التُّحفة؛ وكنت اجتهدت في تقسيم القصيدة إلى اثْنَيْ عشر فصلاً لكلٍّ منها وحدة موضوعية مستقِلَّة. تقسيمٌ أَمْلاَهُ عليَّ البناء الفني الكُلِّيُّ للقصيدة عند تلحينها، إذْ جعلتُ كل فصلٍ قطعةً غنائيةً مستقلَّةً بذاتها مصوغَةً على مقامٍ موسيقيٍّ خاص تنويعاً ودفعاً للملل. وتَوَّجْت كلَّ فصل بِصِيغَةِ "المكيال الأوفى" من الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على المقام الموسيقي ذاته الذي صِيغَ عليه لَحْنُ الفصل، ورَصَّعتُه بمواويل من جواهرِ ودُرَرِ الإمام البوصيري اقتطفتها من ديوانه -من الهمزية ومن غيرها- لأُحافظ على وحدة نسيج العمل الفني وروحِ صاحبه ما أمكن. واستفتحت كل فصل بآية قرآنية أو بحديث نبوي شريف أو بأبيات شعرية من الديوان ذاته.
فأما المقامات الموسيقية فقد اخترت منها الأندلسيَّ -افتتحتُ به- والمشرقيَّ والأعجمي الغربي والأمازيغيَّ... دلالةً على اشتراك كل الأجناس في مدح النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم. وأما الإيقاع فقد آثرت أن أوظفه بدل أن يوظفني هو فصُغت أزمنتَه القوية وأزمنتَه الضعيفةَ بما يَخْدُمُ أجواء البردة.
أقول: اجتهدتُ وبسطتُ وحَرَصْتُ وفعلتُ وتركت... وإنَّه ليس لي في ما وَفَّق إليه المولى تعالى إلاَّ كما للعبدِ يَمُدُّ يديه إلى ما قَسَمَه له سيُّده ومولاه مِنْحَةَ الواهب الكريم سبحانه.
-ب-
ما كنت أطمع مُبْتَدَأَ الأمر في أكثر من أن أستعين بشروح البردة على أمانة ترجمتِها من حروف الكَلِم إلى حَبَّات النغم؛ فلما وَضَحَ لي من غموض أساليب هذه الشروح وتَمَنُّعِهَا على الطالب ما وَضَحَ توكلت على المولى تعالى فوضعت لها شرحا كان إلى الأسلوب المدرسي أقرب.
ما حَفَزَنِي حَفْزاً في البداية لإعداد ما أعددت هو الرغبة في أن يصحب الألحانَ الجديدةَ التي صُغْتُها لِكَلِمِ البردة شرحٌ يواكب في جِدَّته ما حاولت تجديده من نغمها. ثم بدا لي بَعْدُ أن الأسلوب المدرسي الذي بَنَيْتُ عليه فكرة "شرحي" للبردة ما أتى -رُبَّمَا- بجديد نافع أكثر مما سبق إليه السابقون، فَتَدَرَّجَ بِيَ القلب والفكر إلى محاولة تَلَمُّسِ الجسر المأمون بين بردة البوصيري وبين أصلها من سيرة النبوة.
وكتبت إلى أخي الأستاذ الفاضل سيدي محمد منار بمداد ما جمع الله تعالى به بيننا من محبة فيه عز وجل، من ضمن ما كتبت:
"... والقصد من السلسلة هو محاولة بث روح جديدة في هذه التحفة العظيمة.. مجرد محاولة أدعو الله تعالى أن يباركها ويجعل لها في قلوب القراء قبولا وفي صحائف الرضوان عنده تعالى محلا.
وقد تعلمت من نشر السلسلتين السابقتين(1) كثيرا مما دفعني لاقتراح السلسلة الجديدة لأبحر في موضوع وإن كان له نَسَبٌ إلى الفن والأدب، إلا أن له نَسَباً أقوى إلى السيرة النبوية العطرة...
وأدرك جيدا أن من يرشح نفسه لـ"شرح" البردة إنما يرشح نفسه لخوض بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه موج لا أمان فيه لراكب إلا إن استنصر بالله واستعزَّ بصحبة أهل الله وأسند ظهره إلى الركن الشديد القوي المتين بإذن الله.
ما أهَمَّني، سيدي محمد، إلا ما وَقَرَ في قلبي من أمنية أن أحوم حول رياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عَلَّني أنال "لَمْحَةً" من حضرته الشريفة ولو مِنْ بُعُدٍ أشفي بها غليلي وأداوي عليلي.
ما أهمَّني، سيدي محمد، إلا أن تكون لي في عمري القصير سويعاتٌ أقضيها في صحبة الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم تكون لي سلوىً في دنياي هته، وحجة وشفاعة يوم أقوم بين يدي ربي أعالج بَعْدَ سكرات الموت أهوال الحساب.
ما أهمَّني، سيدي محمد، إلا أن يكون لي من بركات النبوة شَذْرَةٌ كما لي ولك من اسم خاتمها نصيب..."(2).
فأجابني لسان الأستاذ الفاضل وروحه بكلمات رقيقة أيقظت في قلبي من المعاني ما لا يُغْبَطُ عليه إلا المستزيد..
قالت كلماته الحبيبة، فيما قالت:
"... أسأل الله عز وجل أن تنال مرادك، وأن يكتب الله لي معك نصيبا من تلك المطالب العالية الغالية. فالشقي أخي الكريم من انقطع عن نبيه العظيم، والسعيدُ السعيدُ من عاش في كنفه على الدوام، وذَكَرَهُ في كل وقت وحين. مطالبُ عزيزة ثمينة مفتاح نيلها صحبة السابحين في بحر العشق المحمدي، مفتاحها صحبة الأخيار من أمثالك. وفقني الله وإياك أخي العزيز لكل خير. آمين آمين".
(أحببت أن أثبت الكلمتين هنا توثيقاً وذكرى).
فلما عزمت على النشر لَمَعَتْ في سماء النفس من كلمات الأخ الحبيب "منار" لُمَعٌ وأيُّ لُمَع؛ وما هو إلا أن صليت ركعتين لله تعالى أستخيره في أمر هذه البردة وأتضرع إليه سبحانه وهو الملاذ الذي لا يخيب قاصده ولا يحار طالبه حتى انقشعتْ سُحب الحيرة إذ ألهمني المنعم الكريم مفاتح ما أُغْلِقَ علي من قبل، وانجلى أمام ناظِرَيَّ عن ناظِرَيَّ بفضله سبحانه ما كان يَحجُبُني عما كنت أروم مما أكتب مُبْتَدَأَهُ الآن ولا يزال خبرُه إلى حدود كتابة هته الأحرف في ضمير الغيب مستورا عني وعنك قارئي العزيز على السواء. ولا خوف من الخبر ولا عليه إن كان المبتدأُ قاصداً مُبَاركاً... فالكريم إذا بدأ تَمَّم.
-ج-
أن تكون البردة حِلْيَةً في نسيج سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تستدعي بِبَرٍيقِها القارئَ إلى الأصل غَيْرُ أن تكون نسيجاً كاملاً يُذَيَّلُ بأهداب من شرحٍ لغامضِ مفرداتها ومضامينها.
أن تكون البردة مُتَّكَأً ومرتكزا ومنطلقاً للتأمل في سيرة أعظم وأنبل وأشرف وأكمل خلق الله عليه منه أفضل الصلاة وأزكى السلام أَوْلَى من أن تَحْجُبَنَا هذه القصيدة، على الرغم من رغبة صاحبها رحمه الله، عن مقصوده ومقصودي منها فَتُضْحِيَ الغايةُ وسيلةً والوسيلةُ غايةً.
أن تكون البردة "منظاراً" لتأمل الشخصية النبوية الكريمة في لَمَحَاتٍ (نظرات خفيفة) بِعَيْنَيْ محبٍّ أنْحَلَه شوقه للمحبوب وشاعرٍ رقيقٍ شَفَّهُ هيامه وصبابته وتَتَيُّمُه -وهو الذي صحب من صحب ورأى من رأى وذاق ما ذاق وعرف ما عرف وأدرك ما أدرك- خيرٌ من قاموسٍ مُنْجِدٍ على الطاولة وبضعةِ شروح يهرب إليها الشارح كلما أعياه البحث في معنَى مفردةٍ أو حَزَبَتْه إشاراتُ عِبارة.
أقول: "غيْرُ أن..." و"أولى من..." و"خير من...".. أو هكذا بدا لي.
ولهذا السبب عَدَلْتُ عن أسلوبِ مَنْ يحاول شرح البردة -كأنما يهتف بالناس إلى المنهل العذب من بعيد- إلى حالِ التَّدَثُّر بها تحت ظل من لا يَسْعَدُ السعداءُ إلا في كنفه الشريف الْمُنِيف يَرِدُون حوضَ محبته ومَعِينَ صحبته ومنهل قربه صلى الله عليه وآله وسلم.
قد أبدع البوصيري رائعته بقلب محب وذائقة لطيفة وروح شاعرة بما تَنَزَّل عليها من وحي المحبة ونفحات الصحبة وعطاء الوهاب، فلا نَظْلِمْهَا ونَظْلِمْ صاحبها بالتيه في دروب العبارات وأودية النغمات، نَنْقُدُ البردة مدحاً أو قدحاً، فَتَفُوتَنَا فرصةٌ نذوق فيها بعض ما ذاق الرجل ونتعرف إلى بعض ما عرف ونتطلع إلى ما لا يُدْرَك إلا بفضل الله.
-د-
فهاأنا أتوكل على المولى تعالى وليس في خاطري -إلى ما أعالج من خواطر النفس كلما هَمَمْتُ بكتابة، وإلى المشبوب من معاني الحب المتأججة في الْقُلَيْب، وإلى ما لا يزال يَبْرُقُ في الصدر من لُمَعِ الرسالة السالفة- إلاَّ ما بعثه الأحباب ممن أنعم عليهم المولى بالحج هذا العام من شوق للحبيب الطبيب عليه من الله أطيب صلاة وأزكى سلام..
وبدل أن أقوم من تحفة الإمام البوصيري مقام الشارح -وأستغفرُ الله العلي العظيم فلَسْتُهُ وما بهذا أعد القارئ العزيز- رأَيْتُنِي أجلس منها مجلس المتأدب المتتلمذ المتلقي من أَمَالِي جناب الصحبة، وأقعد مقعد المتعلم المقتبس المستمد من أنوار حضرة النبوة على خاتمها أفضل الصلاة السلام.
أحاول إن شاء ربي وهو الموفق المسدد المعين سبحانه أن أَرْنُوَ إلى المقصود مما خلف كلمات البردة ونغماتها، وإن كانت نفسي في حالٍ صعبٍ بين معانيها ومغانيها، ترسلني هته إلى تلك وتحيلني تلك على هته. فما أسهل أن ينحبس العبد بين سجوف الحروف ويَنْدَفِنَ تحت سقوف الأنغام ينسى أن الشاعر إِذْ كتب ما كتب إنما أشار باللفظ إلى المعنى لِيَسْتَدْعِيَه، واستدل بالظاهر على المخفي لِيَجْلُوَه، لا ليأتِيَ من لم يكابد من حرَّ الشوق ما كابد هو ولم يعالج من جَهْدِ المسير ما عالج هو فَيَخُطَّ بقلم أحمر تحت ما فتح المولى عز وجل لرجاله!!!
فإن استغربتَ فلا تستغربْ أن تكثر شروح البردة وتلاحينها وتتواتر، فما هو -والله- إلا مدد النبوة الْخالد يُمِدُّهَا بِمدده، وإنْ هو -بالله- إلا أثرُ الاِتباع وقسمةُ الصحبة وفعلُ الْمحبة تجعل لها في الناس نورا موصولا من نورها، وما هي -تالله- إلا "وحيٌ" من جِنْسِ ما أوحى به الله تعالى "إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(3).
لا غرابة.. فما النحل الْمُسَخَّرُ قهراً الْمُسَيَّرُ جَبْراً بأكرم على الله تعالى من العبد المتبع الْمُسَلِّمِ السالك الطائع الممتثل توفيقاً ورضىً وحبا واختيارا.
فإن أنعم المتفضل على عبده من غير استحقاق منه لفضله فلا يُسِيئَنَّ الأدب مع مولاه فينقطعَ عنه المدد الرباني المشروطُ دوامُه بِذِكْرِهِ ومَزِيدُه بشُكْرِه.
يسيء العبد الأدب مع مولاه إن جَهِلَ مصدر الهبة الربانية أو غفل عنها وما ينبغي له، ويجحد إن أنكر أن للنعمة وليّاً قَاسِماً يقسمها على من شاء من العباد بإذن ربه، ويكفر كفرانا إن نسب إلى نفسه ما ليس لها مما يوشك أن يَذْهَبَ أثرُه وبركتُه وخَبَرُه والعياذ بالله.
-هـ-
فاللهَ تعالى أسأل أن ينعم عليَّ كما أنعم على عباده الصالحين ويتفضلَ بأسباب المزيد، وألا يدع من نفسي لحظوظ نفسي سلطانا على نفسي آمين. فقد اجتهدت طاقتي وإن كنت أحبو فيما يركض الراكضون ويسرعون ويُسابقون ويدركون، وأَلْثَغُ لَثَغاً فيما تَفْصُحُ وتُفْصِحُ أَلْسُنُ أهلِ البيان وأَئِمَّتِه وأُمَرَائِه، وأطمع فيما لا يناله نَحِيلُ كَتِفَيْنِ يزاحم رجالاً عظاماً وحالُه كأنه "حاملُ الأهرام" لا يسعف إلا بما يُيَسِّرُ المولى تعالى ويفتح وهو الفتاح العليم. وأنا مع هذا في حيرة بين ضعفي وحالي وعوائقي وبين ما تقتضيه الكتابة بين يدي مقام النبوة العظيم؛ فما أحسنَ الأدبَ مع نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم من مَرَّ على آثارِ سيرته العطرة ومَنَائِرِ صفاتِه النيرة وكنوزِ فضائله الجليلة الغامرة مرورَ البخلاء فيبخلَ على نفسه ولا يَغْرُفَ من بحار فضله ولا ينهلَ من معين قربه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فكل أثر من آثاره صلى الله عليه وسلم هو منارٌ هادٍ إلى نور الحق بإذن ربه، وفي كل ثَنِيَّةٍ من ثنايا كَلَمِهِ صلى الله عليه وسلم كنوزٌ ونفائسُ من المعارف واللطائف يُوهَبُهَا من تعرض لنفحات الله بقلب محب موقن متطلع مُتَهَمِّمٍ منكسر لدى الأعتاب الشريفة، ولكل نَفَسٍ من أنفاسه الزاكية -صلى الله عليه وسلم- ندىً عَبِقٌ بنسائم القرب يجد ريحَهَا مَنْ صَحِبَ "مَنْ صَحِبَ" ورأى "مَنْ رأى" ليذوقَ ويعرفَ ويدركَ وما ذلك على الله بعزيز.. ومن يبخلْ.. "وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ"(4).
وحسبي من الأمر إن تقبل الله مني أن أعاند مِن عباده مَنْ لا يُطاق لهم عناد، وأَشُقَّ غبارَ من لا يُشَقُّ لهم، في سُوحٍ هم أهلُها وفرسانُها، غبار.
فالحمد لله والشكر له تعالى أولاً، ثم للعزمة الكريمة التي كَلَّفَتني واليدِ الحانية التي خَلَعَتْ علي هذه البردة فدثَّرَتْنِي بها وأنا في كَامِلِ ضعفي ومُنْتَهَى قِلَّتِي وغاية عجزي وفقري إليه تعالى وحسنِ ظني به وثقتي بفضله وتوفيقه سبحانه.
وأتوجه بالسابق من هذا العمل واللاحق هديةَ محبٍّ مغلوبٍ في حب محبوبه مُتَيَّمٍ بِطَيْفِه مُتَهَمِّمٍ بلأْوَائِه مَكْلُومٍ بِِلَوِيَّتِه:
إلى من يبعث الله تعالى بصحبته الرحيمة في القلوب الإيمان، ويجدد سبحانه بعزائمه الماضية بِلى الأزمان، ويُدْرَكُ تحت ظل بردته الشريفة الْمُنِيفَةِ كمالُ الإحسان، ويَرفع من بيت الأمة على التقوى بأياديه المتوضئة القواعدَ والأركان.
وإلى الذين يحملون اللواء بأنْوَرِ كَفّ، ويوحدون الصفوف في خير صفّ.
الذين يَقُومُونَ مِن الناس بمعاني المحبة مَقَامَ الْمُسْعِفِ الْحاني واللَّيِّنِ الْهَيِّنِ المتواضع الدانِي، ومِن الدنيا مَقَامَ الكيِّسِ المتزود لسفر الآخرة "وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ"(5).
من يُغَذُّون بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة وأزاهر أعمارهم المباركة شجرةً مباركة "أَصْلُهَا ثَاِبتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا"(6)، ويُفنون أنفسهم في ذات الله حبا ورضاً وطلبا لوجهه الكريم ولِقَدَمِ الصدق "عند مليك مقتدر"، الموفَّقين بإذن ربهم الموقنين بموعوده يقينَهم بصدق ما أوحى به الله تعالى إلى نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في خاتمة قلبِ القرآن "يس": "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلُّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"(7)، "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
الدار البيضاء صباح يوم الخميس
19 محرم الحرام 1428 هـ/ 8 فبراير 2007 م

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (2)   الإثنين 12 مارس - 11:18



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (2)













لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم
الحلقة الثانية
الإمام البوصيري

هو محمد بنُ سعيدٍ بنِ حَمَّاد بنِ محسن بنِ عبدِ الله بنِ حيّاني الحبوني الصنهاجي أبو عبد الله شرفُ الدين، المغربيُّ أصلاً، الدَّلاصيُّ مَوْلِداً، البُوصِيريُّ(1) مَنْشَأً. وقد قال مشيراً إلى أصله المغربي:
فَقُلْ لَنَا مَنْ ذَا الأَدِيـبُ الَّذِي *** زَادَ بِهِ حُـبِّي وَوَسْـوَاسِي
إِنْ كَانَ مِثْلِي مَغْرِبِـيّاً فَمَـا *** فِي صُحْـبَةِ النَّاسِ مِنْ بَاسِ
وَإِنْ يُكَذِّبْ نِسْبَـتِي جِئْـتُـهُ *** بِجُـبَّتِي الصُّوفِ وَدَفَّاسِـي
وُلِدَ الإمام البوصيري يوم الثلاثاء فاتح شوَّال (يوم عيد الفطر) من سنة 608 للهجرة؛ حفِظ القرآن الكريم صغيراً وأطلَّ على العلوم الدينية وبعضِ علوم اللغة والأدب والتاريخ؛ أما وفاته فكانت سنة 696 للهجرة، فعَمَّرَ بِذَا ثمانية وثمانين عاما.
تتلمذ البوصيري إلى جَنْبِ ابن عطاء الله السكندري (صاحب الْحِكَم) على يد الشيخ أبي العباس الْمُرْسي تلميذِ الشيخ أبِي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال مادحاً شيخَه أبا العباس رحمه الله ورضي عنه:
فَاصْحَبْ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ آخِذاً *** يَدَ عَارِفٍ بِهَوَى النُّفُوسِ مُنَجِّدِ
فَإِذَا سَقَطْتَ عَلَى الْخَبِيرِ بِدَائِهَا *** فَاصْـبِرْ لِمُـرِّ دَوَائِهِ وَتَجَـلَّدِ
وَإذَا بَلَغْتَ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مِنْ *** عِلْمَيْهِ فَانْقَعْ غُلَّةَ القَلْبِ الصَّدِي
أبياتٌ من قصيدةٍ نَدِيٍّ عُودُها، تَشِي بما سرى في عروق البوصيري من معاني الصحبة، عَبِقٍ عبيرُها، تفوح بما تنسَّمَ من نفحات الإيمان تحت ظل أحد رجالات التزكية الكبار؛ فلا غرابة إذن أن تَنْدَى البردة بِنَدَى خَيْرِ نَسَب، وتَعْبَقَ بروحِ "مَنْ صَحِب من صحب".
فكيف لا تكون للبردة تِلْكُم الروحُ النديةُ المتجددةُ المتدفقة، كأنها غُدْرَانٌ تترقرق مِنْ فيضِ بَحْرِ مَنْ أُخِذَ منهم العهدُ والميثاق لَيُبَـيِّنُنَّ للناس أزكى ما استُؤْمِنوا عليه من روحِ ولُبِّ وعِمَادِ هذا الدين العظيم ولا يكتمونه؟
وكيف لا يستطيع الرجل أن يَجْلُوَ لنا بعضَ حقائق النفس وبعضَ منعرجاتها ومَثَالِبِهَا وقد كان له بالأمر بصيرةٌ من بصيرةِ "من صحب من صحب"، وأشَعَّ له كَوْكَبٌ من أصحابِ السند الصحيح في مَتْنِ طِبِّ النفوس المتصل المنتهِي إلى طبيبها الأول صلى الله عليه وسلم؟
وأنَّى للبوصيري بِمِثْلِ ذلك النَّفَسِ القوي في بردته وبشِدَّةِ دَفْقِه فيها وغزارة المبثوث بين ثناياها من روح المعاني لو لم يستمدَّ من الخزائن التي لا تَنْفَدُ؟ خزائنُ لا تُفَتَّحُ أبوابُها إلا بمفاتحها بإذن وَليِّهَا. أَنَّى له ذلك لو لم يكن لقلبه سِلْكٌ نورانِيٌّ موصول بالداعي الْمُسْتَأْمَنِ على الحق، الشهيدِ الشاهدِ على الخلق، الخليلِ الرَّابِطِ على القلوب برباطها، الآخذِ بالنفوس من نَوَاصِيهَا ومَعَاصِمِهَا إلى فَرَادِيسِهَا، الدَّالِّ على النور الهادي -صلى الله عليه وآله وسلم؟
البردة وبركاتها على صاحبها
تُعْرَف هذه القصيدة بعدة أسماء منها: "الْبُرْأَة" و"الكواكبُ الدُّرِّيَّة في مدحِ خيرِ البريَّة"، ولكنها اشتهرت بالْكُنْيَة التي كنَّاها بها صاحبها: "البردة"؛ وفي إطلاقه لهذه الكنية على البردة روايات وتأويلات منها أن البردةَ/القصيدةَ تضم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم كما ضمَّت البردةُ/الْكِسَاءُ شخصَه الشريف صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال في قصيدة له:
حَاكَ مِنْ صَنْعَةِ الْقَرِيضْ بُرُوداً *** لَكَ لَمْ تحْكِ وَشْـيَهَا صَنْـعَاءُ
لقد ذاع ذكر البردة في كل الآفاق حتى غَدَتْ أشهر تحفة أدبية في تاريخ الأدب العربي والأدب الإسلامي على الإطلاق؛ إذْ حفظها الخاص والعامّ وتغنَّت بها الشعوب الإسلامية كلٌّ بأنغامه، وتُرجِمَت إلى كثير من اللغات ووُضعت لها الشروحُ وشروحُ الشروحِ ومختصراتُ الشروحِ، وخُمِّسَتْ(2) وعُورِضَتْ(3)، وابْتُكِرَتْ لأجلها بفضلها ضُروبٌ من الفنون وضُروب... فكيف نستطيع إحصاء واستقصاء ما أنعم به الباري عز وجل على البوصيري من بركات بردته؟
وَرَدَ في ظروف كتابة البردة حكايات وحكايات مما لا أحبُّ أن أُشَوِّشَ على المقصود بمرافعات المختصمين حول صحتها، ولكنَّها عَجِيبَةٌ عجيبةٌ أن يَخْلُدَ ذكر عبد من عباد الله على مدى الأزمان بقصيدة شعر! قصيدةٌ نَافَحَتْ عن مقام النبوة وربطت قلوب الخاصة والعامة بمن جعل الله تعالى محبتَه طريقا لمحبته واتباعَه مَنْجَاةً لأتباعه وطاعتَه سبحانه رَهْناً بطاعته صلى الله عليه وسلم.
ويثير الاِنتباه أن البوصيري لم يُحَصِّلْ من العلوم قَدْرَ ما كان يُحَصِّلُ فطاحل العلماء قبله وبعده، فهو كما يقول محمد سيد كيلاني: "لم يُصِبْ حظا كبيرا من الدراسة المنظمة، لأنه مع كثرة المدارس في عهده لم تسند إليه وظيفة التدريس في أي مدرسة. وقد فتح كُتَّابا لتحفيظ القرآن. وهذا عمل لا يزاوله إلا من أوتي قليلا من الثقافة"(4)؛ (أضف إلى هذا عمَلَهُ في النقش على شواهد القبور بيديه كما سيأتي إن شاء الله) ومع هذا فما ارتفع شأن عَلَمٍ من الأعلام إلا كان له مع البردة شأن، ولا قال في التزكية قائلٌ إلاَّ اقتطف من شجرتها ثماراً يانعةً جَنِيَّةً، ولا وثَّقَ للسيرة النبوية العطرة مُوَثِّقٌ إلا خَتَمَ عليها في كل موضع بخاتَمها، وما طَرِبَ لغناءٍ أحدٌ من عامَّة الناس ولا صَفْوَةٌ إلا كان لها في ما يترنَّمون به نصيب...
دُرَّةٌ في الْحِكَم.. ومُرشدٌ في السلوك.. ومَرجعٌ في السيرة.. وتُحْفة في الفنّ معاً.
البردة وبُنَيَّاتُها
وبِحَسْبِ البوصيري أنه ما أَلْهَمَتْ قصيدةٌ في الشعر العربي كله الشعراءَ وحَفَزَتْهُم لمعارضتها كما فعلت البردة في من حاكاها حتى تَنَاسَلَت البردةُ بروداً وبروداً وبروداً، فروعاً مُورِقَةً مزهرةً مثمرةً من أصل مبارك، تُكتب في رصيد البوصيري ثمراتُها بما سنَّ من سُنَّةٍ محمودة ينهج نَهْجَهَا الشعراء جيلاً بعد جيل.
ومِنْ بُنيَّات البردة ما عارضها بها شاعرُ السيف والقلم محمود سامي البارودي(5) بِمِيـمِيَّـتِه التي مطلعها:
يَـا رَائِـدَ البَرْقِ يَمِّـمِ دَارَةَ الْعَـلَمِ *** وَاحْـدُ الغَمَـامَ إِلَى حَيٍّ بِذِي سَـلَمِ
والقصيدة الْبُنَيَّةُ -وعدد أبياتها سبعةٌ وأربعون وأربعُمائة- كلها وَحْيٌ مِنْ وَحْي، وندىً من ندى، وطِيبٌ من طِيب.. يتدفق شعورُه في خواتيمها ويَنْضَحُ صدرُه عندها بما فيه:
وَلِـي بِحُـبِّ رَسُـولِ اللهِ مَنـزِلَـةٌ *** أَرجُو بِها الصَّفحَ يَومَ الدِّينِ عَن جُرُمِي
أَبكانِيَ الـدَّهرُ حَتّى إِذ لَجِـئتُ بِــهِ *** حَنـا عَـلَيَّ وَأَبـدى ثَغرَ مُـبتَـسِمِ
فَهوَ الَّذي يَمنَـحُ العافِيـنَ مـا سَأَلُوا *** فَضلاً وَيَشفَعُ يَـومَ الدِّينِ في الأُمَــمِ
نُـورٌ لِمُـقتَـبِسٍ ذُخـرٌ لِمُلتَـمِـسٍ *** حِـرزٌ لِمُبتَـئِسٍ كَهـفٌ لِمُعتَـصِـمِ
إِنّي لَمُستَشفِعٌ بِالـمُصـطَفى وَكَـفى *** بِهِ شَفِيعاً لَـدى الأَهـوالِ وَالقُــحَمِ
...
أما أشهر من عارض البردةَ فهو أمير الشعراء أحمد شوقي(6) الذي تَجَلَّى لنا بقصيدته الرائعة "نهج البردة"(7) التي مطلعها:
رِيـمٌ عَلَى الْقَـاعِ بَيْنَ الْبَانِ وَالعَلَمِ *** أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ
وقد شهد شوقي في نهجه بِرِيَادَةِ البوصيري وعُلُوِّ كعبه في الشعر وبإمامتِه في المديح النبوي شهادةً تُكْتَبُ بماء الذهب وَقَّعَهَا بأدَبٍ جَمٍّ باسم كلِّ مَن يعرف للرجال قدْرَهم:
الْمَادِحُونَ وَأَرْبَابُ الْهَـوَى تَـبَــعٌ *** لِصَــاحِبِ البُرْدَةِ الفَيْحَـاءِ ذِي الْقَدَمِ
مَدِيـحُهُ فِيكَ حُبٌّ خَالِصٌ وَهَــوىً *** وَصَادِقُ الْحُـبِّ يُمْـلِي صَـادِقَ الْكَلَمِ
اللهُ يَشْـهَـدُ أَنِّي لاَ أُعَـارِضُـــهُ *** مَنْ ذَا يُعَارِضُ صَوْبَ الْعَارِضِ الْعَرِمِ
وَإِنَّمَـا أَنَا بَعْـضُ الْغَابِطيـنَ وَمَـنْ *** يَغْبِط وَلِيـَّكَ لاَ يُـــذْمَمْ وَلاَ يُـلَمِ
وشوقي وإن كان شاعراً مطبوعاً مُجِيداً وبَلَغَ ما بَلَغَ في "نهج البردة"، إلاَّ أنه لم يَرْقَ بها إلى مَراقِي البوصيري في بردته؛ وشتَّانَ بين البردة ونَهْجِهَا، شتَّانَ بين التحفة وصورتِها!!!..
شتّان شتّان.
وما خَرَجَتِ البرودُ كل البرودِ إلا من تحت بردة البوصيري، وما سار المادحون إلا في الطريق التي عبَّدَها لهم إِمَامُهُمْ، ولا أَيْنَعَتْ ثمارٌ جَنَوْها طيبةً إلا بِبركة لَقَاحِه، ولا نَمَتْ أجِنَّتُها إلا في رَحِمِ قريحته رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين.
أما تلاحين البردة فقد اسْتَهْدَى صائِغُوها بأنوار مِيمِيَّةِ البوصيري واسْتَمَدُّوا واسْتَلْهَمُوا من روحها لأرواح ترانيمهم فأعانوا شاعرَنا على حمل معانيها إلى قلوب الناس لترسيخها فيها وشَغْلِهَا بذِكر من لا يَمَلُّ القلب من ذكره والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. فَغَدَا مَدْحُ الحبيب صلى الله عليه وسلم مذهباً ولازمةً في "طَقْطُوقَةِ" حياةِ الناس، وأضحى رَنِيمُهُ وَرْداً وريحاناً وفُلاًّ وأُقحُواناً يُنْثَرُ فرحاً به وشوقاً إليه صلى الله عليه وسلم.. بمناسبة وبغير مناسبة.
وبغير مناسبة؟!!!
وهل يحتاج مدح الحبيب عليه أزكى صلاة وأندى سلام إلى مناسبة؟
ألا وإن كل الأوقات مناسَبَةٌ لمدحه والصلاة عليه وذكرِ شمائله وتَمَثُّلِ سيرته لسلوك منهاجه صلى الله عليه وسلم. فحيثما وُجِدَ قلبٌ محبٌّ وروحٌ مَشُوقٌ وفؤادٌ شَجٍ فرسول الله صلى الله عليه وسلم مناسَبَة تتملى في صورته القلوب وتتحلَّى بمعناه الأفئدة. فحبُّه صلى الله عليه وسلم تِرْيَاقٌ للنفوس مُداوٍ، والتعلُّق به صلى الله عليه وسلم أمانٌ لكل خائفٍ وجِلٍ، وتعطيرُ الأنفاس بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم هو للروح مَدَدٌ وللعزيمة سَنَدٌ وللبناء عَمَدٌ وفي الجهاد عُدَد وأيُّ عُدَد.. صلى الله عليه وسلم.
الدار البيضاء ليلة السبت
28 محرم الحرام 1428 هـ/ 17 فبراير 2007 م



------------------------------------
(1) نِِسبةً إلى بوصير، وتقع بين الفيوم وبني سويف بمصر.
(2) التخميس أن يأتي الشاعر المخمِّسُ بثلاثة مصاريع من عنده يضيف إليها مصراعين اثنين للشعر الأصلي من مثل تخميس ابن يجبش التازي (نقلاً عن "بردة البوصيري بالمغرب والأندلس للأستاذ سعيد بن الأحرش" ص: 148):
يا من له هـمة من أرفع الْهمم *** وجسمه قد غدا فِي غاية السقم
ومقلـة العين لـم تفتر ولَم تنم *** أمـن تذكر جيـران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
(3) المعارضة تعني المحاكاة، بأن يأتي شاعر بقصيدة جديدة ينسجها على منوال قصيدة سابقة شرط أن تماثلها في الموضوع والبحر والقافية والرَّوي.
(4) تحقيق ديوان الإمام البوصيري ص: 10، طبعة دار الرشاد الحديثة.
(5) (1839 – 1904) جركسي الأصل نسبته إلى "إيتاي البارود" بمصر، جمع بين ريادة السيف والقلم؛ أتقن الفارسية والتركية وله فيهما قصائد.
(6) تعلمنا ونحن صغار أن الشعر بدأ بأحمد وانتهى بأحمد، يقصدون بالأول المتنبي وبالثاني أحمد شوقي.
(7) لحن السنباطي بعض أبيات منها.





تاريخ النشر : 19/02/2007

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (3)   الإثنين 12 مارس - 11:20



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (3)













لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم - m_hazeem@hotmail.com
الْمِنْقَاشُ والمطرقة
كيف تَأَتَّى لصاحبنا رحمه الله تعالى ما تَأَتَّى وما كان في بُحْبُوحَةٍ من العيش تعينه على التفرُّغ الذهني والاِستقرار النفسي الضروريين للإبداع، وعلى تحصين طقوسِه وحماية أجوائه التي تضطرب عقاربُها اضطراباً بأخفِّ نسمة ريح لا تشتهيها سُفن نفسِ شاعر مُحِسٍّ في رقة البوصيري؟
كيف ورِزْقُهُ الذي كان يقتات منه كان يَقْطُرُ قَطْراً من بين أنامله الْمُتَفَطِّرة من آثار عملِ المنقاش والمطرقة اللَّذين كان ينقش بهما الألواح الحجرية والرخامية التي توضع شواهد للقبور، وهي مهنة -لِمن لَمْ يَخْبُرْهَا- تتطلب الجودةَ والبراعةَ في فن الخط والصلابة في الكفَّين والقوةَ والدقَّةَ في عمل الأنامل وعنادَ نَفْسِ وطولَ نَفَسٍ وقناعةً بما يُدَرُّ عليه منها؟
كيف تأتّى له الجمعُ بين تدفُّقِ روحِه الشاعريةِ وقوةِ قريحتِه الأدبيةِ وفسيحِ خيالِه الفني وبين مطرقةٍ تتلاشى الأفكارُ من الرأس والإلهامُ من النفس مع كل طرقة منها كأنها تطرقه أوَّلَ شيء، ومِنْقاشٍ يَخْدِشُ من صفاء ذهنه أكثر مما ينقش من أحجاره؟
وبين المطرقة والمنقاش مطالبُ ومطالبُ مما يَفُلُّ التفكيرَ ويشُلُّ القريحة.
ولم يكن ما كان يقطر عليه لِيَسُدَّ جَوْعَاتِ عياله الْكُثُرِ حتى شكا قائلاً -أو قال شاكيا- في قصيدة أَجْتَزِئُ منها هذه الأبيات:
إليـك نشــكو حالنا إننا *** عائلـة فـي غـاية الكثرهْ
وأقبـل العيـد وما عندهم *** قمـحٌ ولا خُبْزٌ ولا فَطْـرَهْ
فارحمهم إذا أبصروا كَعْكَةً *** فِي يد طفل أو رأوا تَمْـرَهْ
تَشْخَصُ أبصـارُهم نَحوها *** بِشَهْـقَةٍ تـتبـعها زَفْـرَهْ
فكم أقــاسي منهـمُ لوعةً *** وكمْ أقاسي منهمُ حسـرهْ
فما كانت لوعةُ الشاعر وما كانت حسرتُه؟
القصيدة كلها تصوير درامي مؤلم لحالٍ مُزْرٍ لشاعر رقيقِ الشَّغافِ أَرِقٍ مَكْلُومٍ لاَ مِنْ أَذَى مخلوقٍ ولا مِن هِجْرَانِ معشوقٍ، بل مما يَلْوِي أعناقَ العباد ويُحَرِّقُ منهم الأكباد: رِزْقِ الأولاد.
والوالد إن تحمَّل فلا يتحمَّل نظرة احتياج في عَيْنَيْ من يَعُولُ..
هي نظرةُ حسرةٍ من الْوَلَدِ على ما تخلو منه اليد مما يفيض ويجري من الرزق في أيدي القرين والجارة، ونظرةُ لوعةٍ وحسرةٍ من الوَالِدِ حيرةً من النفس وتأنيباً لها إذْ لم يَقُمْ بما يُمْلِيه عليه حبُّه وتفرضه عليه مسؤوليته.
وقد أفضى كلٌّ إلى ما قدَّم، الوالد والمولود، والغابِطُ والمحسود؛ ولَعَلَّهُ كان لأنَّاتِ فلذات الكبد ولشهقاتهم وزفراتهم ولِمَا كان يَغَصُّ به الشاعر من أحوال أهله من البركات عليه في إبداعاته أكثرُ مما كان لِجُهْدِهِ فيها؛ ولعل الموتَ الذي كان يُذَكِّرُ صاحبَنا بألواحه كل يوم قد رَقَّقَ قلبَه وأراه بعض حقائق الدنيا وتقلُّبَها بأهلها فأقبل على ما يَسْتَدْبِرُهُ الغافلون ويتناساه العابثون. ولعله كان يقول في نفسه وهو ينقش بمنقاشه أسماءَ اللاحقين بركب الأموات: "تُرى متى يُكْتَبُ شاهدي؟ ومن ذا الذي يُكْتَبُ له أن ينقش اسمي في هذه الدنيا على لوحة من هذه الألواح؟ وماذا يكون من أَمْرِ اسمي غدا يوم الحساب"؟
ولعله ولعله ولعله...
ولعل عيالَه ينتفعون بالبردة وأخواتِها وهم الآن بين يدي الله تعالى أكثرَ مما ينتفع غيرُهم بسواها.. ولعلهم لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا لَمَا لاَنَ لأحدهم ظهرٌ من أَلَمِ جُوعٍ فَرَحاً بفضل الله مبثوثاً بين ثنايا قصيدة شعر واحدة، ولَمَا انكسرت لِمُتَلَهِّفِهِم نَفْسٌ من مدِّ عَيْنَيْهَا إلى ما في أيدي النظير والجار من فتات زَالَ وزال أهلُه، ولأَرَوْا أباهم من أنفسهم جَلَداً وتصبُّراً وثباتاً ورضاً..
ولعلهم ولعلهم ولعلهم...
فَأَنْعِمْ به من جوع يُشْبِعُ صاحبَه نوراً في الملإ الأعلى فَيُنْثَرُ فَضْلُه على أهل الأرض أزْماناً، وَأَكْرِمْ به من انكسار يَجْبُرُ الروحَ إِذْ تغتذي بمدده دهوراً، وَأَحْسِنْ به مِنْ ذِكْرٍ دَرَسَتْ القبورُ التي كتب صاحبُنا شواهدَها بيديه، ولكن ذِكْرَهُ هو ما دَرَسَ ولا عَفَا. ذِكْرٌ يَبْعَثُهُ في كل يوم وفي كل ساعة من يقرأ أو يَتَسَمَّعُ تراتيلَ البردة وأخواتها، ومن يستلهم من مديحه يتعلم أدب الخطاب بين يدي مقام النبوة العظيم، ومَنْ يُتَرْجِمُ عنه مِنْ كَلِمِه إلى لغة النغم ما يتقرب به إلى المولى تعالى فضلاً من الله ونعمة.
صدقة جارية برصيد من الخير يَرْبُو في الحساب الرباني إلى ما شاء الله سبحانه.
كابد البوصيري ما كابد، وهو على كل حال حظُّ المرء من دنياه، ونصيبُه من البلاء يذوقه ويتذوَّقه أو يَتَجَرَّعُهُ وَيَمُجُّهُ. فهو -إنْ فَهِمَ عن الله- رزقُه الذي لا يموت حتى يستوفيَه كاملاً غير منقوص، وهو -إن صبر ورضي وشكر- عنوانُ انتسابه إلى أحباب الله، ودليلُ سلوكِه سبيلَ السابقين واللاحقين من أهل الله، وزكاةُ قِسْمَةِ ما أعطاه الله، ومَرْقَاتُه يَرْقَى بها إلى رضا الله.
وَيَتَعَزَّى بمحمدٍ بنِ سعيدٍ البوصيريِّ وبأحواله مَنْ يرى منها في نفسه مِثْلَ ما يرى في سَمِيِّه، وتَقْصُرُ أياديه عن نوال فتوحه ودرجاته ويقول:
"هذا أعظم شاعر خَلَّدَه التاريخ، وأظْهَرُ مَنْ توسَّل إلى محبة الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- بما لو كان مكتفيا أو متنعِّماً لَمَا أهدانا -رُبَّما- ما أهدى... من يدري؟
ولعل البوصيري لو خُيِّرَ ساعتَهَا بين أن يَعْتَصِرُ قلبه بين قُطْبَيْ رَحىً طاحنةٍ غيرِ ذاتِ رحمةٍ وبين نظرات عَوَزٍ في أعين عياله لاختار الأولى اتقاءَ دمعةِ ألمٍ غيرِ مدفوعٍ تترقرق على خدِّ حبة القلب!
نفحات ولفحات
حين ضاقت مكةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذى قريش تطلَّع إلى البديل الصالح منطلَقاً للدعوة كأنَّ الأصل أن تَنْبُتَ الدعوة وتُزْهِرَ وتُثْمِرَ في تربة خصبة ندية مرتوية مستقرة لا تهز الريح جذوعَها هزّاً، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة بالهجرة إلى الحبشة للهروب بدينهم من الأذى، وحاول صلى الله عليه وسلم مع الطائف المحاولة التي نعرف والتي لم تستوف تأملاتُ المتأمِّلين حقَّها المستحَقّ.
الأصل في الإبداع، خاصةً إن وُلِدَ في سياق دعوةٍ عميقةِ الجذورِ بعيدةِ المرام مُرَكَّبَةِ الواجهات متعددةِ التحديات أن يترعرع في بِيئَةٍ مستقرةٍ هادئةٍ لا عوَزَ فيها ولا نَكَدَ، وإلاَّ فما كُلُّ الحاملين يتحمَّلون، ولا كل الداخلين يصبرون، ولا كل الراكبين يُوَاصلون، ولا كل المبدعين يجمعون بين لفحات الحركة الْمُحْرِقة ونفحات الإبداع الْمُشْرِقة... وإلاَّ.. وإلاَّ فيا فرحةَ من صَدَقَ وقضى نَحْبَه غَيْرَ مُبَدِّلٍ، ويا سَعْدَ مَنْ صَدَقَ وانتظر حاملاً متحمِّلاً صابراً مصابراً مرابطاً في ثغره وهو يقي بصدره ظَهْرَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم هاتفاً: فداك نفسي وما لي -ولا لي- يا رسول الله.. صلى الله عليك وسلم.
وماذا ينتظر العبد إن صَدَقَ لِيُبْعَثَ في الفالِحِين؟ ومِمَّن ينتظر؟ وكيف ينتظر؟
يَنتظر موعود ربه أن يتنَزَّل وهو حيث يريده سبحانه أن يكون: في الصف مع المؤمنين نسمةً لطيفة بين أنفاسهم، وشعلةً متنورةً بأيديهم تتحصَّنُ بصحبتهم وبجنابهم وبمحبتهم، وعينا ساهرةً حارسةً لأسوارهم، وركنا شديداً يُسنِدُ إليه المتعَبون ظُهْرَانَهُم، ودرعاً واقياً قائما على الثغر الذي وضعه فيه القدر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ويَنتظر مِمَّنْ باعه نفسَه وما لَه –ولا له- وكُلَّه في "صفقة الآخرة" أسمى ما يَعِدُ به الكريم عبادَه الصالحين مما لا يُنتَظَرُ إلا منه تعالى.
ويَنتظر.. ولا أَهْوَنُ على نفسه في دروب الجهاد من نفسه، ولا أعظمُ في عينيه ممن يستقي بعينيه من سَنِيِّ أنوارهم ويستسقي في جوف الليل بِنَدِيِّ أرواحهم ويَتَشَمَّمُ في الميادين عبيرَ غَبْرَائِهِم.
فَمَنْ لِلْعُبَيْدِ ببركةِ صدرٍ واحد من أبيات البردة أو بِحَنِـيَّةٍ واحدة منه. أبياتٌ لو لم يكن للإمام البوصيري من شِعْرِه إلاَّهَا لكان مستحِقّاً لِلَقَبِ الإمامة الذي لم تطلقه الأمة إلا على العظماء من علمائها ومجدديها ممن يبعث الله بهم من الدين ما لا حياة لها إلا به؟
ومَنْ له بشَذْرَةٍ واحدة من شذرات ما تَفَنَّنَ البوصيري في نقشه على صفحات القلوب بخط روحه الرَّفِيفِ ففاقت جودتُه جودةَ ما كان ينقش بمنقاشه على شواهد دَارِسِ القبور؟
ومن له ولو بِهُدْبَةٍ مُفْرَدَةٍ من أهداب البردة الشريفة يستظل بها من حرِّ نفْسه وحرقة أنفاسه، في طريق طويل طويل، زادُه فيها قليل، وقلبُه من تَقَلُّبِه فيها باكٍ شاكٍ شَجٍ عليل؟
اللهم افتح لنا فتحاً آمين.
الدار البيضاء ليلة الخميس
رابع صفر الخير 1428 هـ/ 22 فبراير 2007 م.






تاريخ النشر : 27/02/2007

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (4)   الإثنين 12 مارس - 11:21



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (4)













لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم - m_hazeem@hotmail.com

محنة البردة


يظن بعض الناس حتى من خاصة المهتمين والمطلعين أن البردة مثال للشعر الذي يكرِّس الاِنْزِواء إلى الذات والهروبَ من المجتمع والعزلةَ عنه والفردانيةَ فيه والتَّقَزُّزَ من مخالطة أهله ويُخَدِّر العقولَ والنفوسَ بروح شعار: "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"!
جَمَعَ هذا البعضُ الشِّعرَ الصوفي كلَّه في قفص واحد بتهمة واحدة فحكم عليه بحكم مُبْرَمٍ نافذ واحد.
لا ذَنْبَ للإمام البوصيري إن ضَرَبَ البعضُ صفحاً عن صفحاتٍ وصفحاتٍ من بردةٍ أرادها هو نَبَوِيَّةً جامعة واتَّخَذَهَا غيرُه رَهْبَانِيَةً مانعة. لا ذنب للبردة إن تَبَنَّـتْها اتجاهاتٌ صوفية حَصَرَتْ قراءتَها في بُعْدِها الفردي وخَطِّهَا العمودي حَصْراً.. ولا ذنب لها إن آوَتْهَا الخاصةُ وَاحْتَضَنَتْهَا العامَّةُ في مراحلَ من تاريخ الأمة أنِسَتْ فيها هذه إلى ما رَكَدَ وأَسِنَ من ماءِ حياتِها وأخْلَدَتْ إلى سُفُوحِ هِمَّتِها فأعادت تفصيلَ ما نسج البوصيري لِيُوَائِمَ هُزَالَها.. ولا ذنب لها إنْ لَمْ يُسْمَعْ من تراتيلها إلا مَا رُتِّلَ من "سنفونيتها" العظيمة. وما رُتِّلَ منها غيرُ سَطْرٍ لَحْنِيٍّ واحد لا يعطي حقيقةَ وجوهرَ "التأليف الموسيقي" الكامل الذي حَجَبَتْ بَعْضَ أسطُرِه العادةُ والتناسي وطولُ الأمد وفِعْلُ الرَّمَد..
أنصِتْ إلى الإمام البوصيري وهو يصف بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه الصحابة المجاهدين بالبحر متلاطِم الأمواج وبالجبال:
رَاعَتْ قُـلُوبَ الْعِدَا أَنْبَاءُ بِعْثَـتِهِ *** كَنَبْأَةٍ أَجْـفَلَتْ غُفْلاً مِنَ الْغَـنَمِ
يَجُـرُّ بَحْـرَ خَمِيسٍ فَوْقَ سَابِحَةٍ *** يَرْمِي بِمَوجٍ مِنَ الأَبْطَالِ مُلْـتَطِمِ
مِنْ كُلِّ مُـنْـتَدِبٍ للهِ مُحْـتَسِبٍ *** يَسْطُو بِمُسْتَـأْصِلٍ لِلْكُفرِ مُصْطَلِمِ
وتَأَمَّلْ بيتَه هذا وهو يُشَبِّهُ الواحد منهم بالسَّـيِّد المتلهِّف إلى لقاء العدو الظالم:
كَأَنَّمَا الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ ساحَـتَهُمْ *** بِكُلِّ قَرْمٍ إِلَى لَحْمِ الْعِـدَا قَـرِمِ
الْقَرْمُ هو السيِّد الكريم، والْقَرِمُ هو الشديد الشهوة إلى الطعام.
هل هذا شِعْرٌ صوفي؟!
أقصد: هل يُصَنَّفُ هذا الخطابُ القويُّ في خانة الشعر الصوفي المتَّهَم -بحق أو بغير حق- في هذه المحاكمة؟!!!
هل هذا خطاب زُهْدِيٌّ تَنْوِيـمِيٌّ تَخْدِيريّ؟
أظن أن "هيئة المحكمة" لو قرأت البيتَ السابق لاتَّهَمت صاحبَنا بالتطرُّف وبالإرهاب!!!
هذا عُرْضٌ أوَّلُ من وجهِ محنة البردة، وما هي إلاَّ نتيجةٌ للرَّمَدِ الذي أصاب الأمة فضَعُفَ بصرُها وبصيرتُها عن تَحَمُّلِ أنوار هذا الدين العظيم فلم تَرَ منه إلاَّ بَعْضَ بصيصٍ ليس إلاَّ.
أما الْعُرْضُ الثاني فليس إلا النتيجةَ المعاكِسةَ للأولى وردَّ فعلها الطبيعيَّ في سياقٍ غيرِ طبيعيّ:
اِمِّحَاءٌ لآثار وآثار من "الباقيات الصالحات" التي لا قيام لروحِ دينِ الله الحقِّ إلا بها، أقصد المعانِيَ التي بدونها لا يعود الدين سوى حركةٍ أفقيةٍ أرضيةٍ مقطوعةٍ عن نسبها الممدود إلى السماء، وتتحوّل النُّبُوَّةُ زعامةً وبطولةً وتاريخاً من التاريخ مضى، ولا يُرى مِن امتدادٍ لنور رسول الله صلى الله عليه وسلم -الذي أضاءَ ويضيء ظلماتِ القلوب والأكوان إلى قيام الساعة- إلا بحجم الحقل البصري الذي تستطيع أَعْيُنُهَا الرَّمِدَةُ أن تراه.
رَمَدٌ هو وأيُّ رَمَد!
كيف؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم "نُـورٌ" كما نَعَتَهُ الحق سبحانه:
"يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ؛ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُـورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
"نُـورٌ" من عند الله يمشي على قدمين.
ولا يرى بعضُ الناس إلا بقيةَ آثارٍ على الأرض يكاد يَنْحَجِبُ عن مَصْدَرِها النوراني.
ألاَ إنه بلاء عظيم وسُقْمٌ أليم ألا نستطيع الجمع في نظرة واحدة بين صفحتين مشرقتين من الوجه الواحد الكامل لهذا الدين العظيم!
ألاَ إن أعظم مِيسَمٍ في بردة الإمام البوصيري هو هذه "العقليةُ السنفونية" التي نَسَجَهَا بها، فهو بها -والحق يقال- "نَسِيجُ وَحْدِه".
إنه لا يُنْسَجُ ثوبُ بُرْدَةٍ إلاَّ بِسَدىً من خيوطٍ متوازيةٍ مصفوفة مشدودةٍ إلى خُشْبَانِ مَنْسِجِهَا شَدّاً، ولُحْمَةٍ تُلْحِمُ السَّدى وترُصُّه رصّاً بِيَدَيْ وأنامِلِ حَائِكٍ خبيرٍ مُتْقِن.
ولا ثوبَ يُنْسَجُ -عَلِمْتَ- بسدىً من خيط واحد، فكيف إذا كان الثوبُ بُرْدَةً نَبَوِيَّةً لا أيَّ بردة؟!
وكيف إذا كان اللابِسَ أعظمُ العظماء وسيدُ الكرماء وخيرُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم؟!
هذه هي محنة البردة، وإنها والله ليست إلا وجها مختصَراً من أوجه محنة هذه الأمة.
وإننا اليوم لأَحوج ما نكون إلى من يوقظ فينا من معاني حبِّه صلى الله عليه وسلم والتشوقِ إليه والتعلقِ به وتلَمُّس معالم سَنَنِهِ وسُنَنِه عليه الصلاة والسلام، ويجعل رضا الله تعالى ومحبته غاية الغايات يُشوِّق العباد إليها تشويقاً، وتكون محبةُ حبيبِ الله رسولِ الله محمدٍ بنِ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم مَرْقَاةً إلى تِلْكُمُ الغاية وذَلِكُمُ الرضا.
"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الاِسْلاَمَ دِينًا".
ولا يَكْمُلُ دينُ الله إلا بِأَتَمِّ نعمةٍ رضِيَهَا لعباده: طلبِ وجهه الكريم والسعي الحثيث لنيل رضاه تعالى ارتقاءً من الإسلام في درجات الإيمان إلى ذُرى الإحسان.
ولا تَحْصِيلَ ولا تَحْصِينَ لتمام هذا الدين الخاتم إلا بجهادٍ ومدافعةٍ لتكون كلمة الله هي العليا. جهادٌ ومدافعةٌ وبناءٌ في الآفاق وفي ذات الأنفس. جهادٌ ومدافعةٌ وبناءٌ على منهاج النبي المعلم المربي صلى الله عليه وسلم تَطَلُّعاً إلى تلكم الغاية السامية السامقة.





تاريخ النشر : 03/03/2007

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (5)   الإثنين 12 مارس - 11:29



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (5)













لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري


بقلم: محمد العربي أبو حزم - m_hazeem@hotmail.com







في قصيدة البردة بَسَطَ البوصيري من حِكَمِه بِما فتح له المولى من ألوان البيان، وبِما لا يُشَقُّ له فيه غُبار مما لا ترقى الصنعة المكتسبة إلى ذُرَاه. فهي ليست جُهْداً فكريا وبَيَانِيّاً وخياليّاً وفنِّيّاً بَذَله شاعرٌ بغرض التكسب منه لحظوظ نفسه ودنياه، إذاً لما تفاعلت بها ولها أفئدة الناس، ولما ظلَّت روحها متوهِّجَةً مشبوبةً على مدى الأزمان؛ بل هي كما قال هو:
قُلْ لِلْمُحَاوِلِ شَـأْواً فِي مَدَائِحِهِ *** هِيَ الْمَوَاهِبُ لَمْ أَشْدُدْ لَهَا زِيَمِ
وَلاَ تَقُلْ لِي بِمَاذَا نِلْتُ جَـيِّدَهَا *** فَمَا يُقـالُ لِفَـضْلِ اللهِ ذَا بِكَمِ
لَوْلاَ الْعِنَايَةُ كَانَ الأَمْرُ فِيهِ عَلَى *** حَدِّ السَّوَاءِ فَذُو نُطْقٍ كَذِي بُكُمِ
إنه فضل الله أن يَرْفَعَ ذِكْرَ من يحب ببركة حب من يحبه صلى الله عليه وسلم.
وإنها عناية الله وتوفيقُه وإِذْنُهُ يصطفي من يشاء لما يشاء سبحانه.
وإنها الصدقة الجارية التي تجري بالفضل والخير والْمِنَن من خزائن الغيب إلى رصيد العبد عند ربه إلى آخر الزمان.
فما أعظم سرّ هذا الذِّكْر المرفوع للإمام البوصيري ولِبُردته الشريفة بشرف خير ممدوح صلى الله عليه وسلم.
هل "البردة" تُحْفَةٌ بيانية فنية لمن أراد الغوص في بحار لغة القرآن والتجَمُّل بصدفاتها وكنوزها؟ أم هي مادَّة تربوية توجيهية في النفس يَأْتَمُّ بها السالكون؟ أم هي تأريخ وتوثيق لسيرة وفضائل ومعجزات وجهاد خير الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟
ربما كانت البردة شِعراً ناطقاً بما تفيض به أفئدة المحبين من حب وشوق ولوعة وهيام بالقدوة الأسنى صلى الله عليه وسلم. أو لعلَّها مناجاةٌ رقيقة بَثَّهَا قلبٌ رقيقٌ وفؤادٌ وَلِهٌ وروحٌ مُتْعَبَةٌ خائفةٌ راجيةٌ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَة.
أهي درس بليغ في حُسن التأدُّب مع حبيب الله صلى الله عليه وسلم؟ أَمْ هي مثال حيّ للمحبِّ الصادق الْمُتَّبِع المقتدي؟
هل هي واحدة من هذه؟ أم هي بعضٌ من هذه؟ أم إنها كلُّ هذه وغيرُ هذه؟
لقد سار البوصيري في بردته على منهج مُلْهَمٍ واضح جَلِيٍّ وخطَّةٍ مرسومة دقيقة دِقَّةَ عملِ النحل في تسديس وترصيص بيوته، متنقلا في رياض النموذج النبوي الكامل من بستان إلى بستان، ناهلاً من رحيق أزاهره مقتبساً من أنوار مكارمه صلى الله عليه وسلم.
ففي البردة عظيمُ مشاعرِ الحب والشوق إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم مما عَدَّدَ الشاعرُ أدلَّةَ صدقها من عين دامعة وقلب مضطرم وجسم أَنْحَلَه الضَّنى:
فَكَيْفَ تُنْـكِرُ حُبّـاً بَعْـدَمَا شَـهِدَتْ *** بهِ عَلَيْكَ عُـدُولُ الدَّمْـعِ وَالسَّـقَمِ؟
وفي البردة توجيهات تربوية حول النفس وقواعد في التعامل معها:
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَـاعِ وَإِنْ تَفْطِـمْهُ يَنْفَطِمِ
وفي البردة ذكر لفضائله وشمائله صلى الله عليه وسلم:
فَاقَ النَّبِـيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُـلُقٍ *** وَلَمْ يُدَانُـوهُ فِي عِـلْمٍ وَلاَ كَرَمٍ
وفيها توثيق لمولده ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومنها معجزة آيات القرآن الخالدة التي:
إِنْ تَـتْلُهَا خِيفَةً مِنْ حَـرِّ نَارِ لَظىً *** أَطْفَـأْتَ نَارَ لَظىً مِنْ وِرْدِهَا الشَّبِمِ
وفيها توثيق لإسرائه ومعراجه صلى الله عليه وسلم:
سَرَيْـتَ مِنْ حَرَمٍ لَـيْلاً إِلَى حَرَمٍ *** كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ
وَبِتَّ تَـرْقَى إِلَى أَنْ نِلْتَ مَنْـزِلَةً *** مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ
وفيها ذكر لجهاده صلى الله عليه وسلم وجهاد أصحابه الذين التفُّوا حوله وانجذبوا إليه صلى الله عليه وسلم انجذاب المعدن إلى المغناطيس في جماعة مؤمنة تَخْفُقُ نبضات قلوبهم على وتيرة نبضات قلبه المتعلِّق بالله الطاهر بذكر الله العامر بحب الله الفيَّاض بمدد الله:
هُمُ الْجِبَالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصَادِِمَهُم *** ماذا لَـقِي منهم فِي كُلِّ مُصطَدَمِ
طَارَتْ قُلُوبُ الْعِِدَا مِِنْ بَأسِهِمْ فَرَقَاً *** فَمَا تُـفَـرِّقُ بَيْنَ الْبَهْمِ وَالـبُهَمِ
أما ختام القصيدة فَتَوَسُّلٌ به صلى الله عليه وسلم ومناجاةٌ رقيقةٌ ودعاء كأنه ما دَبَجَ ما قبله إلا توطئةَ مُتَوَسِّلٍ لا يعرض حاجته إلاَّ بعد الثناء على المتوسَّل إليه:
يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ *** سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ العَمِمِ
وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي *** إِذَا الْكَريـمُ تَجَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ
هذه هي البردة: مِنْ أجمل ما أُهدي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أُمَّةِ سيدِنا محمدٍ عليه الصلاة والسلام، ومن أبدع ما نسج حائك شاعر بعد عصر الرسالة على مدى قرون وقرون:
- تَشَوُّقٌ إلى النبي الحبيب ولديار النبي الحبيب عليه أزكى صلاة وسلام..
- وتذكيرٌ للعبد بربه وبما يلزم من تشمير استعداداً للقائه تعالى..
- وتحبيبُ نبيه صلى الله عليه وسلم..
- وتفعيلٌ لاِنتساب العبد إلى خير أمة أُخرجت للناس..
- وتوبةٌ والتجاءٌ وتسليمٌ وضراعةٌ للباري عز وجل:
يَا نَفْسُ لاَ تَقْـنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ *** إِنَّ الْكَـبَائِرَ فِي الغُفْرَانِ كَاللَّـمَمِ
لَعَلَّ رَحْمَـةَ رَبِّي حِيـنَ يَقْسِمُـهَا *** تَأْتِي عَلَى حَسَبِ الْعِصْيَانِ فِي الْقِسَمِ
يَا رَبِّ وَاجْعَلْ رَجَائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ *** لَدَيْكَ وَاجْعَلْ حِسَابِي غَيْرَ مُـنْخَرِمِ
وَالْطُفْ بِعَـبْدِكَ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّ لَهُ *** صَبْراً مَـتَى تَدْعُهُ الأَهْوَالُ ينْـهَزِمِ





تاريخ النشر : 03/08/2007

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
نسيم
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 446
العمر : 38
محل الإقامة : المغرب
الوظيفة : مصمم
لمحة : إبلاغ دعوة الله وإسماع كلمة الله والتعاون على الاستقامة على أمر الله
تاريخ التسجيل : 05/02/2007

مُساهمةموضوع: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (6)   الإثنين 12 مارس - 11:31



تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (6)












لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم - m_hazeem@hotmail.com




لَدَى الْعَتَبَات

هل كان من الضروري أن أقدِّم لهذا "الاِسْتِظْلاَل" بكل هته المقدمات المتتالية؟
ربما تتساءل أخي وتتساءلين أختي.. وتستعجلان الدخول في الموضوع دون مقدمات..
أَمَّا عُبَيْدُ اللهِ الضُّعَيِّفُ هذا فما يستطيع الدخول إلى الحمى مشتملاً بالبردة النبوية الرَّفيفةِ حتى يَخْلَعَ نَعْلَيْه لدى العتبات الشريفة، ويتأدَّبَ بالأدب اللازم -ما استطاع- عند هذا المقام قبل أن يَطَّوَّفَ برياض الْحَرَمِ الْمُنِيفة، وَيُجَدِّدَ نِيَّتَهُ فيما يسعى إليه ويروم، ويتدبَّرَ ويتفكَّرَ ويتأملَ ويتساءلَ في ما بينه وبين نفسه:
من أيِّ طريق أسلك إلى المقصود؟ وبأيٍّ من مفاتحها أستفتح المعبود؟ ومِنْ أيِّ الأبواب أدخل على المحمود؟ وفي أي صفٍّ أقعد بين الْقُعُود؟
فلكل طريقٍ دليلٌ، وإلى كل غايةٍ بابٌ، ولكل باب مفتاح، ولكل صَفٍّ درجةٌ، و"مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ..." .
كانت أمنيتي وأنا أُدَبِّجُ أُولَى أَسْطَارِ هذا البحث أن "أحوم حول رياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، عَلَّني أنال "لَمْحَةً" من حضرته الشريفة ولو مِنْ بُعُدٍ أشفي بها غليلي وأداوي عليلي"، غير أنني طَمِعْتُ -بعد أول نسمة هَبَّتْ عليّ من عبير المحبوب صلى الله عليه وسلم- في أكثرَ مِنْ مجرَّد "لَمْحَة"، وفي ما هو أعظم من الْحَوَمَان...
نَعَمْ...
طَمِعْتُ في كرم الكريم سبحانه أن يفتح لي البابَ بمفتاحه، وَيَدُلَّنِي على ما وَرَاءَهُ بنورِ نُورِه، ويَسُوقَنِي –فَاللهُ خَيْرٌ حِفْظاً- بعنايته إلى مَجْلِسِهِ ما بين "بيته" صلى الله عليه وسلم و"منبره"، أتربَّع لَدَى عَتَبَاتِهِ في فسيحِ رياضه مع أهل مَأْدُبَتِه وصَفْوَةِ حِزْبِه، "رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ، أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" .
وتطلَّعت بالقعود إِزَاءَ المنبر الشريف إلى أن أرِدَ من الحوض إِزَاءَه، مَصَبَّ الماء فيه؛ "... وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" .
نَعَمْ.. طَمِعْتُ وتطلَّعْتُ... فهل ارتقيتُ مُرتَقىً صَعْباً؟!
فَبِمَ يكون الكريمُ كريماً إِنْ لَمْ يَنَلِ الْمُرادَ منه إلاَّ مُسْتَحِقُّه؟ وكيف يكون الواهبُ مُنْعِماً متفضِّلاً إِنْ لَمْ يَحُزْ فضلَه إلاَّ أهلُه؟ بل عَلاَمَ تكون الْمِنَّةُ منه سبحانه على عباده إلاَّ إن قَصُرَتْ عن نيلها عزائمهم؟
"وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" .
مَنُّ الْمُنْعِم على ضعف الْمُنْعَمِ عليهم لأنه أهلٌ لأَنْ يَمُنَّ على عبيده.
ولا يكون المن إلاّ مع عدم استحقاق الممنون عليه.
فهل يتردد العبد وهو مُوقِنٌ أن باب الكريم أوسعُ من أن يضيق بمن خلق، بَلْهَ عُبَيْداً فُقَيِّراً منهم، وأن كلماته تعالى لا تَنْفَدُ ولو كان البحرُ تِلْوَ البحرِ لها مَدَداً ومدادا؟
بسم الله...
ألاَ ما أَعْظَمَ الدخول على خير مَنْ رَدَّ السلام جَمَالا، ومَنْ لا أَهْيَبَ منه في صدور الرجال جَلاَلا، النُّورِ الهادي بإذن ربه إلى تَمَامِ الإحسان كمالا.. صلى الله عليه وآله وسلم.
"بِسْمِ اللهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ" .
هَذِي يَدِي إلى المقسومِ من عطاء الله ممدودة، وهذه آمالي على إنعام الكريم معقودة، وفي كفّي مهجتي إلى نورِ نوره ونفحاته متعرِّضةٌ مشدودة...
فاللهم نوِّر بصيرتي بِسِرِّ النِّسْبَةِ إلى نبيِّك.. واجْلُ عن قلبي صداه لأنتفع بأسرار كَلِمِهِ وكلماتك.. وأيِّدْني بروح القُدُس كما أَيَّدْتَ حسَّاناً من قوّتك.. واقْسِمْ لي من البردة النبوية الشريفة مثلما قَسَمْتَ لكعب بن زهير الناجي المستجير اللاَّئذِ من عذابك بِحِمَى رسولِك وحبيبِك.. ولا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفة عينٍ حتى تَضَعَنِي من رضاكَ موضعَ النُّجَبَةِ من أصفيائك.. وقِنِي السيئات وأَقِلْ مني العثرات.. وطَهِّرني بذكرك.. وحَصِّنِّي بحقِّ التوكل عليك.. وارزقني شُكْرَك وشُكْرَ والدَيَّ وشُكْرَ من له الفضلُ عليَّ من عبادك بَعْدَك.. وأَمِّنِّي مَكْرَك.. وأجِرْنِي من وعيدك.. وارزقني اليقين في وعدك وموعودك.. ونَوِّلْنِي -مِمَّا يرضيك- ما تعلم مما يجول في خاطري، تَفْتَحُ لي به فتحا من عندك، تجعله أولَ قطرة من غيث رحمتك.. ولا تقطع عني مَدَدَكَ وإِمْدَادَكَ فأنا بِكَ لا بسواك.. وأَسْبِلْ عليَّ يا غفّار جميل سترك.. وَثَـبِّـتْنِي بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. واكتب بفضلك ورحمتك ما أنعمت به عليَّ -في صحائف الرضوان عندك- لِي ولِوَالِدَيَّ وللمؤمنين.. آمين آمين آمين.





تاريخ النشر : 03/12/2007
<;,*-/85h عن موقع جماعة العدل والإحسان

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hidaya.frbb.net
العائدة الى الله
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد الرسائل : 31
تاريخ التسجيل : 30/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (1)   السبت 30 يونيو - 16:33

بارك الله فيك

وجعل الله الجنة مثواك

وجعل كل حرف تكتبينه في موازين حسناتك


اختك

العائدة الى الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الهداية :: المنتديات الإسلامية :: منتدى فسحة الصالحين-
انتقل الى: